03/01/2026
الفجر الذي ابتلع كراكاس أو ترمب الحمورابي
عبد الجليل سليمان
في ساعة لم يحددها الليل أو النهار، كانت كراكاس تتلوى بين حزن المطر وهمس الشوارع، حين اقتحمت الطائرات السماء فجأة، تحمل في بطونها فصولاً من "شريعة حمورابي" إلى ما بعد الحدود. لم يُسمع دوي إنذار، ولا وقع أقدام شرطة، بل شعرت المدينة نفسها أنها تُساق إلى زمن آخر، زمن لا يعرف الرحمة.
في فراشه، كان نيكولاس مادورو يفكر في شعارات أطلقها منذ سنوات، في وعود قالها للشعب، في بلد لم يعرف كيف يكون خفيفًا على قلبه. حين اقتحم الفجر غرفته، لم يُؤخذ مجرد رجل، بل أخذت معه المدينة نفسها: أحلامها، صرخات الباعة، مطبات الطرق، وكل ما صنع منه رئيسًا. خرج مادورو وكأنه شخصية من أسطورة نُسجت بين عتمة المدينة ونار الشمس الغاربة، وساقه الفعل إلى طائرة، بينما بقيت كراكاس معلقة بين الرعب والسحر، لا تعرف بعد إن كانت تشهد نهاية رجل، أم بداية حكاية جديدة عن السلطة والسقوط.
جدران الصمت
وُلد مادورو في بيت ضيق، حيث كان الفقر يملأ الجدران ويهمس في كل زاوية. تعلم الصبر منذ صغره ليس من المدارس، بل من الحياة نفسها: من والده النقابي الذي غرَس فيه أن العدالة لا تُعطى، بل تُنتزع، ومن والدته، امرأة المدينة الصامتة، التي خبأت في حكاياتها اليومية قصص الفقراء وعلمته أن البقاء على قيد الحياة أحيانًا هو أكثر من مجرد حق. لم يلتحق مادورو بأي جامعة، لكنه تعلم في الشوارع أن السياسة ليست كتبًا تُقرأ، بل أصوات تُسمع، وأن الصبر على صعوبات الحياة اليومية مدرسة لا يخرج منها أحد إلا وقد حمل شهادة التجربة.
حافلة معطوبة
قاد الحافلات في كراكاس كما لو كان يقود مصير المدينة بأكملها، وهناك تعلم أن كل تذمّرٍ هو درس، وأن القيادة تحتاج عينين ترى الأرواح قبل الطريق. كان صوت السائق يمكن أن يصبح صدىً في أروقة السلطة. حين ظهر هوغو تشافيز، شعر مادورو أن التاريخ دخل عليه كإعصار، فوقف في الظل ليتعلم، وصار من خاصته، ومن أولئك الذين يحملون أسرار الدولة حين ينام القائد.
طائرة القدر
وصل إلى الرئاسة كأنها وراثة ثقيلة على ظهر إنسان ضعيف. النفط كان وفيرًا، لكن الشعب ظل جائعًا، والتضخم يبتلع الرواتب، والمدينة تفرغ من شبابها، والمعارضة تعكس الصورة كما في مرآة مشروخة. تمسّك بالسيادة كما يتشبث الغريق بخشبة، وواجه العالم بخطاب صاخب بينما تصرخ الحياة اليومية بصمتها. العقوبات جاءت كشتاء بلا نهاية، والهجرة كسيل يفرغ الشوارع، واللغة الوطنية صارت خطابًا بلا معنى.
وفي ذلك الفجر الذي يكتب التاريخ بألوان الدم والنار، خرج من كراكاس كما يدخل العاصف.
فجأة، بلا محاكمة، بلا وداع. نُقل إلى نيويورك، إلى مبني للمجهول خلف أبواب ثقيلة وضوء خافت ليبدأ فصلًا جديدًا ليس عن رجل فقط، بل عن بلد يُختطف من ذاته، عن فكرة تُساق مثل طائرة بلا رحمة، وعن سؤال يعلّق فوق قارّتين: هل كان مادورو طاغية، أم ابن زمن رفض أن يرحم أبناءه.