11/01/2026
أعتقد الدرس الأهم والأخطر اللي لازم نخرج بيه من فيلم "The Great Gatsby" هو إن اللي يحصل في الماضي.. مكانه الوحيد هو الماضي.. يعني إياك تبص وراك وأنت ماشي في طريقك.. عشان متقعش وتتكسر رقبتك.
ودرس تاني لازم يحفره كل راجل في عقله: إن الست لو اختارت غيرك مرة، أو حتى ترددت لحظة في اختيارك، يبقى اعرف فورا إنها لا تصلح لك نهائيا، لأنك لو مفهمتش النقطة دي، هتفضل تطارد وهم كبير هيكون هو سبب سقوطك في النهاية، زي ما حصل لصاحبنا "جاتسبي".
أنا فاهم طبعاًة إن جاتسبي هو إسقاط رمزي للحلم الأمريكي اللي نهايته مأساوية، وإن القصة بتشرح الانقسام الطبقي والرأسمالية المتوحشة المتمثلة في شخصية "ديزي"، لكن خلونا نركن الرمزيات والمجازات دي على جنب ونتعامل مع الشخصيات "لحم ودم".
كل اللي شافوا الفيلم اتعاطفوا مع جاتسبي، لكن الغريب إن أنا "متعاطفتش معاه بجنيه"، ولو كان المفروض أتعاطف، فهيكون بس عشان عاطفته العمياء اللي عمت عينه عن حقيقة "ديزي" العاهرة.. كونها ست ضحلة، ساذجة، مادية، أنانية، ومش نقية أبدا، ومفهوم الولاء عندها معدوم..
جاتسبي عمل المستحيل عشان يستعيدها، لدرجة إنه مبقاش هو.. مسخ نفسه.. ومع ذلك فشل.
جاتسبي، حتى لو مأساته هزتك شوية وأنت بتتفرج، إلا إنه في الحقيقة شخص "نرجسي وجشع"، بيجري ورا طموحه الخاص، بلا أي مبالاة بالآخرين، ومستعد يعمل أي حاجة شرعية أو شمال عشان يوصل.. كل اللي عمله كان لنفسه قبل ما يكون عشان "ديزي"؛ لأن الفيلم ومن خلال حكايات الراوي "ن*ك" بيعرفنا إنه كان ناقم على أبوه وأمه وفقرهم من وهو طفل، يعني عقدة الثروة والنجاح محفورة جواه من قبل ما يشوف وش "ديزي" أصلا.
عشان كده، سعي جاتسبي المجنون لاستعادة ديزي، دافعه الأول مكنش الحب، بقدر ما كان محاولة لإشباع "نقص" جواه؛ كان عايز يمتلكها عشان يأكد لنفسه قيمته الذاتية ويقيس بيها سقف طموحه اللي ملوش آخر، زي ما هي لخصتها بعبقرية وهي بتعيط وقالتله: "أنت تطلب الكثير يا جاتسبي!".
مأساة جاتسبي الحقيقية هي الخمس سنين اللي رماهم في الأرض استثمارا في طموحاته اللي "ديزي" كانت جزء منها، ففكرة إنه بعد كل التعب ده ميطولش الجايزة اللي رابط بيها قيمته، دي قمة القهر، وده سر تطرفه عشان يفوز بيها بأي تمن.. لكن الحقيقة بنكتشف إنه عايش في "وهم السيطرة"، فاكر إنه بفلوسه يقدر يغير القدر ويعيد صياغة ماضيه!
أنانية جاتسبي ظهرت في أبشع صورها لما "ديزي" دهست "ميرتل" بالعربية.. الراجل لا فكر في الضحية ولا اتهزت له شعرة، كل تركيزه كان إزاي يهرب بـ ديزي وبس.
هل ده معناه إن "ديزي" بريئة؟ قطعا لا.. ديزي عاهرة، "ملعونة"، ويكفي إنها تسببت في هلاك ثلاثة: جاتسبي، وميرتل، وجورج ويلسون.
ديزي كائن مادي، بتبيع أي حاجة عشان الأمان المالي.. فاكرين لما جاتسبي جابها القصر وقعد يرمي عليها القمصان الملونة؟
هي عيطت وهي حاضنة القمصان، ولما سألها بتعيطي ليه زوغت من الإجابة.. لكن الحقيقة هي بتبكي حسرة إنها لو كانت صبرت زمان كانت فازت بالثروة دي وبالحب كمان، لكن خلاص القطر فات.
شوف الوضيعة بتبكي على إيه؟ أنانية وجشعة لكن بشكل "فج"، معندهاش ريحة الضمير.
وحد ممكن يسألني: "هي صح إنها تدمر حياتها مع توم عشان ماضي زي جاتسبي؟" هقوله: "أومال العاهرة راحتله القصر وعملت معاه علاقة ليه؟".. هي بتاعت مظاهر، ولما رجعتله مؤقتا كان انبهار بالثروة والأبهة اللي هو عايش فيها، مش حبا في سواد عيونه.. والدليل إنها ولا حضرت جنازته، ولا حتى كلفت خاطرها تبعت ورقة على قبره!
لذلك لا تثق في النسوان فهم أطمع خلق الله.