25/09/2025
معركة (عين جالوت) ، التي كثيرًا ما تُروى على أنها ملحمة مصرية خالصة ، تخفي وراءها قصة أوسع ، أعمق ، وأشد تعقيدًا مما يظنه البعض.
صحيح أن القيادة كانت مملوكية مصرية ، يتقدّمها السلطان "سيف الدين قطز" ، ويشدّ أزره الأمير "الظاهر بيبرس" ، وصحيح أن (القاهرة) كانت القلب النابض الذي ضخّ العزم والرجال ... لكن الجيش الذي وقف في وجه المغول لم يكن مصريًا بالمعنى القومي الحديث ، بل كان جيشًا إسلاميًا جامعًا ، تنوّعت فيه الأصول وتوحّدت فيه العقيدة.
في صفوفه وقف المماليك الأتراك والشركس ، الذيـن جُلبوا أطفالًا مـن القـوقـاز وآسـيا الوسطـى ، وتربّـوا في معسـ ـكرات الإسلام حتى صاروا فرسانًا لا يُشق لهم غبار ، كانوا أبناء الإسلام قبل أن يكونوا أبناء مصر ، وولاؤهم للعقيدة قبل أي انتماء جغرافي.
ابناء مصر لم يتأخروا ، بل كانوا في الصفوف ، يمدّون الجيش بالإمداد والدعم الشعبي ، ويقاتلون جنبًا إلى جنب مع إخوانهم.
"المقريزي" يروي أن:
«"قطز" عبّأ مصر كلها ، فصار الشعب كله خلف الجيش ، قلبًا وقالبًا».
أما الشام ، فلم يكن غائبًا عن المشهد ، فبعد أن حرر "قطز" (دمشق) من قبضة المغول ، انضم إليه أمراء أيوبيون فارّون ، وجنود شاميون كانوا ينتظرون قيادة صادقة تلمّ شتاتهم.
"ابن كثير" يروي أن:
«أهل الشام وقفوا مع المماليك بعد هزيمة المغول في (حلب) و (دمشق) ، وكان بينهم عرب ، وأكراد ، وفرس».
بل إن "قطز" استعان بقبائل العرب في مطاردة فلول المغول بعد المعركة ، كما يذكر "ابن كثير" أيضًا ، في مشهد يعكس وحدة الأمة في لحظة مصيرية.
القول بأن مصر وحدها واجهت المغول ، فيه قدر من المبالغة ... نعم ، مصر كانت ساحة التعبئة والقرار ، وقدّمت القيادة السياسية والعسـ ـكرية ، لكن الجيش الذي قـ ـاتل كان جـ ـيشًا إسلاميًا جامعًا ، عبّر عن روح الأمة كلها.
والأمانة العلمية تقتضي أن نُنسب الفضل لأهله:
- مصر قادت المعركة.
- المماليك شكّلوا القوة الضاربة.
- الشاميون والعرب والبدو والمتطوعون أعانوا وساهموا.
فكان النصر نصرًا إسلاميًا مشتركًا ، لا يُنسب إلى قطر دون آخر ، بل إلى أمة اجتمعت على كلمة واحدة.
من يُصرّ على تصوير (عين جالوت) كملحمة مصرية محضة ، يغفل عن طبيعة الدولة المملوكية نفسها ، ويقع في إسقاط قومي حديث على وقائع القرون الوسطى.
(عين جالوت) لم تكن انتصار مصر على المغول ، بل كانت إنتصار الأمة الإسلامية مجتمعة على الطوفان المغولي ، بقيادة مصرية و بدماء إمتزج فيها التركي بالشركسي بالعربي بالمصري بالشامي.
وهذا فخر لمصر ، لا يُنقص من قدرها ، بل يرفعها ، لأنها كانت السبب في جمع الفرقاء في جيش واحد ، لا كما يدّعي أصحاب النظرة القومية الضيقة.
وهكذا ، لم تكن (عين جالوت) مجرد معركة حدودية .. بل كانت نقطة تحوّل في تاريخ العالم.
📚 المصادر:
- البداية والنهاية - ابن كثير - ج13.
- السلوك لمعرفة دول الملوك - المقريزي - ج1.
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ابن تغري بردي - ج7.
- الوافي بالوفيات - الصفدي - ج28.